الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 24

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

هذا كتاب مقباس الهداية في علم الدراية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه السّميع البصير والصّلوة والسّلام على سيّدنا البشير النّذير وعلى آله الطيّبين النّازل فيهم اية التّطهير سيّما ابن عمّه وصهره ووصيّه ابا شبّر وشبير والرّحمة والرّضوان على فقهائنا ورواة أحاديثنا الّدين هم أعوان الشّرع المنير وبعد فيقول الفقير إلى ربّه الغنّى عبد اللّه المامقاني عفى عنه ربّه ابن الشّيخ قدّس سرّه انّه لما كان علما الدّراية والرّجال من العلوم المتوقّف عليها الفقه والاجتهاد عند أولى الفهم والاعتبار وصارا في ازمنتنا مهجورين بالمرّة حتى لا تكاد تجدبهما خبيرا وبنكاتهما بصيرا بل صارا من العلوم الغريبة والمباحث المتروكة رايت من الفرض اللّازم علّى عينا تصنيف كتابين فيهما جامعين لهما باحثين عنهما وافيين بشتلتهما كافيين لمن طلبهما كاشفين عن غوامضهما مبيّنين لدقائقهما موضحين لحقائقهما مع اختلال البال وتشتّت الفكر والخيال وملال الخاطر من عوارض الدّهر الغدار وانّى وان لم أكن من فرسان هذا الميدان وابطال هذا المجال الّا انّ النّوبة قد انتهت الىّ من قحط الرّجال وتعيّن الفرض علّى من فقد أهل الكمال وحيث قد كثر خلط مطالب أحد العلمين بالأخر وشاع التعرّض لجملة من مسائل علم الدرّاية في كتب الرّجال وكان ذلك غير محمود العاقبة لأدائه إلى خلط أحدهما بالأخر بمرور الأيام والأزمنة التزمت بالتّميز بينهما وقدّمت التّصنيف في علم الدّراية لتقدّمه طبعا على علم الرّجال وسميّته بمقباس الهداية في علم الدرّاية وفيه مقدّمة وفصول وخاتمة امّا المقدّمة ففي بيان حقيقة وموضوعه وغايته امّا الاوّل [ في حقيقة علم الدراية ] فهو انّ الدّراية في اللّغة هو العلم كما صرّح به جمع كثير من أهل اللّغة يقال دريته علمته ومنه دريت به ادرى دريا ودرية بفتح الدّالين كما هو المشهور بينهم ويكسران أيضا كما حكى عن اللّحيانى وعن نسخ الصّحاح ضبط درية بالضّم ويقال دريته دريانا بالكسر ويحّرك ودراية بالكسر علمة وعن الصّاغانى دريته دريا بضمّ الدال وكسر الرّاء وتشديد الياء على وزن حلّى وصريح أكثر أهل اللّغة ترادف العلم والدّراية وعن التوشيح وغيره انّ الدّراية اخصّ من العلم ولعلّه لما عن أبي على من انّ درى يكون فيما سبقه شكّ أو لما قيل من انّ درى يستعمل بمعنى العلم بضرب من الجيلة وعلى التقديرين فلا يطلق على اللّه تعالى لعدم تعقّل سبق الشكّ ولا الحيلة منه تعالى ويعدّى بالهمزة فيقال ادراه به اعلمه ومنه قوله تعالى ولا ادراكم به فامّا من قرء بالهمزة فقد الحن وقال الجوهري انّ الوجه فيه ترك الهمزة وكيف كان فاصل الدّراية العلم مطلقا أو بعد الشكّ ونقل هنا إلى علم أصول الحديث وخصّ به اصطلاحا ولذلك ساغ بعد صيرورته علما لهذا العلم إضافة العلم اليه والّا لكان من إضافة الشّيء إلى نفسه وقد عرّف في الاصطلاح بانّه علم يبحث فيه عن متن الحديث وسنده وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها وما يحتاج اليه ليعرف المقبول منه من المردود عرّفه به الشّهيد الثّانى ره في بداية الدّراية وعرّفه شيخنا البهائي ره في الوجيزة بأنه يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه وكيفية تحمّله وآداب نقله وهذا أجود من سابقه لأنّ كيفيّة التحمّل وآداب النّقل من مسائل هذا العلم وادراجهما في قوله ما يحتاج اليه في تعريف البداية يحتاج إلى تكلّف ثم انّ العلم جنس يدخل فيه جميع العلوم وبقوله يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه يخرج سائر العلوم ما عدى علم الرّجال فانّه داخل في التّعريف لأنه أيضا يبحث فيه عن سند الحديث اللّهم الّا ان يقال انّ المراد بالسّند في التّعريفين المزبورين هو طريق الحديث مجموعا اى جملة رواته فالدّراية هو الباحث عن أحوال السّند الّذى هو المجموع من حيث انّه مجموع بمعنى البحث الأجمالى كقولهم انّ رجال السّند ان كانوا عدولا فالخبر صحيح مقبول ونحو ذلك بخلاف علم الرّجال فانّه الباحث عن أحوال احاد رواة السّند على وجه التّفصيل وبعبارة أخرى علم الرّجال يبحث فيه بحثا صغرويّا بخلاف علم الدّراية فإنه يبحث فيه بحثا كبرويا إذ يستعلم منه انه كلّما كانت الرّواة بصفة كذا فحكمه كذا وعلى هذا فينهما تباين ويشهد بما ذكر انّهم قد اخذوا في تعريف الدّراية لفظ السّند الّذى هو اسم للمجموع من حيث هو مجموع وفي تعريف الرّجال رواة السّلسة لا يقال انّه مع ذلك يصدق على البحث في أحوال رجال السّند انّه بحث عن سند الحديث لأنّا نقول انّ البحث الأجمالى بالمعنى المتقدم يمكن دعوى عدم صدق البحث عن السّند عليه فانّ المتبادر منه هو البحث تفصيلا ومن حيث الصّغرى والبحث الأجمالى انّما يرجع إلى بيان التّسمية بعد الفراغ عن معرفة أحوال السّند فهو بحث عن بعض الأحوال اللّاحقة بواسطة السّند لا انّه بحث عن السّند والظّاهر من التّعريف هو البحث عن السّند بعنوان انّه سند وذلك يختصّ بالدّراية وانّما البحث في الرّجال عن الأحاد دون المجموع الّذى لا يطلق السّند الّا عليه ولذا يضاف عند إرادة الأحاد لفظ الرّجال فيقال رجال السّند فتدبّر وامّا الثّانى [ في موضوع علم الدراية ] فهو ان موضوع هذا العلم هو السّند والمتن لأنّ موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه والمبحوث عنه هنا هو عوارض السّند والمتن وأوصافهما وما ذكرنا أولى ممّا في بداية الدّراية وغيره من انّ موضوعه هو الرّاوى والمروى ضرورة انّ الرّاوى يطلق على احاد رجال السّند وهو موضوع علم الرّجال دون الدّراية وامّا ما ارتكبه بعضهم من انّ موضوع هذا العلم هو المروىّ وموضوع علم الرّجال الرّاوى فلا وجه له لأنّ البحث في هذا العلم كما يقع عن المروى وهو المتن فكذا يقع عن الرّاوى أيضا باعتبار البحث عن السّند الّذى هو مشتمل على جمع من الرّواة فانّ المروى لا يكون صحيحا وحسنا وموثّقا وضعيفا ونحو ذلك وانّما يتّصف بذلك سند المروى كما هو ظاهر وامّا الثّالث [ في غاية علم الدراية ] فهو انّ غاية هذا العلم هو معرفة الأصطلاحات المتوقّف عليها معرفة كلمات الأصحاب واستنباطا لأحكام وتميز المقبول من الأخبار ليعمل به والمردود ليجتنب منه ولم يقع خلاف بين الأصحاب في الحاجة إلى هذا العلم مثل ما وقع في الحاجة إلى علم الرّجال وعدمها ولعلّه لأجل وضوح الحاجة